في جبل لبنان، لا يُقاس العيش المشترك بالشعارات، بل بتفاصيل صغيرة تُروى كل يوم من دون ضجيج. من باب بيتٍ مفتوح على الجيران، إلى يدٍ تمتدّ في لحظة حزن، إلى سلامٍ عابر في طريقٍ يعرف وجوه أهله واحدًا واحدًا. هنا، لا يسأل الناس أولًا "من أنت؟" بل "كيفك؟".
في هذه القرى والبلدات المتداخلة، تتقاطع الحياة بين أذانٍ يعلو من مسجد، وجرس كنيسة يرنّ في الوقت نفسه، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر. يكبران معًا في ذاكرة المكان، كما يكبر أبناؤه على فكرة بسيطة: أن الاختلاف لا يلغي القرب، بل يعرّفه.
العيش المشترك هنا ليس قصة مثالية، بل تجربة يومية تُختبر في الأزمات قبل الأيام العادية. في الحرب، في المرض، في الضيق الاقتصادي، حين تتراجع كل العناوين الكبرى، يبقى الإنسان هو العنوان الأوضح. فيقف الجار إلى جانب جاره، لا لأنهما يشبهان بعضهما، بل لأنهما يعيشان الأرض نفسها.
ما الذي يحدث حقاً في منطقة جبل لبنان، وتحديداً في قرى كسروان وجبيل، حيث البيوت المتنوعة الطوائف تتجاور، والمساجد تتعانق مع الكنائس في لوحة واحدة لا تقبل التجزئة؟ في رحلة استقصائية بين هذه القرى والبلدات، تقف حكايات الناس شاهداً على أن النسيج اللبناني، رغم كل محاولات التمزيق، لا يزال متماسكاً بخيوط من المحبة اليومية، والإنسانية المشتركة، والمصير الواحد الذي صنعه التاريخ، ويصنعه الحاضر في كل لحظة. حكايات تروي كيف يتحول الدين من سيف للفرقة إلى جسر للقاء، وكيف تصبح المؤسسات الاجتماعية شاهداً على إنسانية تتجاوز الانتماءات، وكيف تنتصر الحياة بكل بساطتها على منطق الحروب والانقسامات.
قبل أن نغوص في تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يمارس الناس العيش المشترك في جبل لبنان، لا بد من التوقف عند الجذور الروحية والفكرية التي تغذي هذا الواقع. فما يحدث على الأرض في زيتون والمعيصرة وجبيل ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لتعاليم دينية راسخة تدعو صراحة إلى التعايش والتعارف والمحبة، وتتجاوز في خطابها حدود الطوائف إلى آفاق إنسانية أوسع.
في زاوية هادئة من بلدة الحصين في فتوح كسروان يفتح الشيخ مهدي شمص إمام البلدة، قلبه وكتابه المقدس ليشرح لنا البعد الإلهي لهذا العيش المشترك. يستشهد بآية قرآنية تعتبر في نظره، الوثيقة التأسيسية للتعايش الإنساني: "بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ويشرح الشيخ مهدي بعمق المعنى الذي تحمله هذه الآية: "طبعاً بهذه الآية الكريمة الله سبحانه وتعالى جعل الشعار هو التعارف. بداية الآية القرآنية الله سبحانه وتعالى ذكر يا أيها الناس، لم قال يا أيها المؤمنون، أم يا أيها المسلمون، لم ذكر أي نوع ديانة أو فئة معينة من البشر، بل ذكر عامة الناس". ويضيف موضحاً أن الخطاب "موجه للعالم سواء كان مسلماً أو غير مسلم"، وأن الجذر الإنساني المشترك هو الأساس: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، من النبي آدم، كل البشرية تعود للنبي آدم".
هذه الرؤية الإنسانية الشاملة، التي تضع التعارف والتفاهم هدفاً للخلق، هي الأساس الذي تنبني عليه رؤية إسلامية متسامحة، لا ترى في التنوع الديني عيباً أو نقصاً، بل ثراءً إلهياً مقصوداً، وحكمة إلهية تهدف إلى التعاون والتكافل: "دائمًا المجتمع بس يكون فيه تعاون يكون فيه تكافل وفي مؤازرة لبعضنا البعض، دائمًا بيصير مجتمع صالح"، يؤكد الشيخ مهدي، مختتماً حديثه بأن الآية "تقول للناس أنكم فئة واحدة أمام الله، لا فخر بينكم ولا نسب أفضل من نسب ولا زعامة أفضل من زعامة ولا لفئة أفضل من فئة أخرى".
على بعد أميال قليلة، في دار الإفتاء الجعفري بجبيل، يلتقي الدكتور الشيخ محمد حيدر معاون مفتي جبيل وكسروان، هذه الرؤية من زاوية أخرى، لكنه يضيف عليها بُعداً جديداً هو بعد التأويل والتنوع الفكري داخل المذهب الواحد، وكيف أن هذا التنوع نفسه يشكل أرضية خصبة للقاء بالآخر. يعرّف الشيخ حيدر التشيّع بأنه في جوهره مدرسة "تأويل" تتعامل مع النص بمرونة وتفهم لظروف الزمان والمكان، وهي في الأساس "فكرة جميلة" كما يصفها: "أنا أكرّس لعناقٍ مختلف... أنا أقول على الدوام أكرّس لعناقٍ مختلف، لأنني مقتنع بالاختلاف لأن الاختلاف ثر (من كلمة ثراء أي غنيّ)، وأن التخلف شر، ومقتنع تماماً أن اللوحة الأجمل، اللوحة القشيبة لا يمكن أن تكون من لون واحد، إنما ينبغي أن تتضافر فيها الألوان".
تلك اللوحة القشيبة التي يتحدث عنها الشيخ حيدر هي لبنان بعينه، أو بتعبيره الأكثر دقة، هي فكرة "العناق المختلف" التي يراها حلاً سحرياً لتحديات التعددية. ويضرب مثالاً باللوحة التشكيلية التي لا تكتمل جمالاً إلا بتضافر الألوان المختلفة، بشرط التناغم والتآلف. ويمتد هذا المفهوم ليشمل رؤيته للدين نفسه: "أنا أقول على الدوام لو أعطينا بيكاسو ألف لون منطلاقاً من لون واحد، لم يستطع أن يبدع في لوحته الأجمل، ولو أعطينا المتنبي ألف صوت من طبيعة واحدة، لم يستطع أن ينهض بالقصيدة القشيبة، سر الإبداع دائماً هو الاختلاف والائتلاف ".
وفي كنيسة بلدة زيتون في فتوح كسروان، تلك الكنيسة التي تقف شامخة بجوار المسجد، لتشكل لوحة فريدة من التعايش المعماري والروحي، يلتقط الأب الروحي إيلي كيروز خيط المحبة من حيث انتهى إليه الشيخ حيدر، لكنه يضيف عليه بعداً مسيحياً عميقاً، هو بعد التضحية والفداء. يشرح الأب إيلي أن يسوع المسيح لم يكتف بوصية "أحبوا بعضكم بعضاً"، بل رفع السقف عالياً "كما أنا أحببتكم". ويتساءل "كيف حبنا يسوع؟ مات لأجلنا. البشرية عندما تتعارف على بعضها وتقترب من بعضها البعض وتموت من أجل بعضها البعض، يعم السلام الذي أتىلأجله يسوع". المحبة هنا ليست مجرد عاطفة أو كلام، بل فعل وجودي، وتضحية، ومبادرة للتقرب من الآخر، وحتى "الموت" من أجله، أي بذل الجهد والعطاء حتى أقصى الحدود، من أجل بناء السلام الذي هو جوهر رسالة المسيح.
هذه الرؤية الدينية العميقة التي تجمع بين آية "لتعارفوا" ووصية "أحبوا بعضكم بعضاً"، هي الأساس الروحي الذي ينبني عليه صرح العيش المشترك اليومي في قرى جبل لبنان. إنها ليست مجرد نظريات فكرية، بل أرضية خصبة تنبت منها كل يوم بذور المحبة والتسامح، التي نراها تتجسد في المبادرات المجتمعية، والمؤسسات الخدماتية، وحتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
قبل أن تكون الطوائف، هناك القرى، وقبل أن تكون الانتماءات الدينية، هناك الجيرة والمشاركة. هذا هو الدرس الذي تقدمه بلدة زيتون في فتوح كسروان، تلك البلدة الفريدة التي يقول عنها رئيس بلديتها مارون فهد "هي الضيعة الوحيدة يلي نصفها شيعي ونصفها مسيحي". في زيتون، التوزيع الطائفي ليس مجرد أرقام باردة، بل هو واقع يومي يعيشه الناس. "إذا جينا عم نحكي عن العيش المشترك، يكبر قلبي عنما أذهب الى دفن عند المسيحيين وألتقي بواحد شيعي أتى للتعزية والعكس تمام. يكبر قلبي عنما أرى بالكنيسة حد الجامع"، يقول مارون فهد، واصفاً مشهداً يتكرر في كل مناسبة.
لكن الحكاية الأجمل هي كيف تتحول المناسبات الدينية إلى فرص للقاء والمشاركة، وكيف يصبح القمح والطريق رمزين لوحدة لا تعرف طائفية. يروي رئيس البلدية قصة مبادرة بسيطة حملت في طياتها معاني كبيرة: "عنا بالبربارة طلعنا بفكرة إنه نسلق قمح ونوزع للضيعة كلها. هيدي مناسبة، بالحياة بتكون مناسبة مسيحية، كانت المشاركة الشيعية هي الأكثر كانوا الشباب الشيعة هني اللي عم يوزعوا".
في المقابل، ومع حلول عاشوراء، المناسبة الجليلة عند الشيعة، يحدث العكس تماماً. يقص مارون فهد مشهداً آخر يفيض إنسانية: "بالنسبة لعاشوراء، الصبايا وشباب الضيعة بيضيفوا عالطريق، بيكون في لطميات. إذا بدكم أنا شخصيًا بصير قصداً روح وأجي، لأتضيف منهم، لشوف الابتسامة عوجوههم". ليس هذا مجرد تبادل للزيارات، بل هو تحويل للمناسبات الدينية إلى طقس جماعي للفرح والمشاركة، وتحويل القمح المسلوق في عيد البربارة إلى وجبة للجميع، وتحويل طريق العزاء في عاشوراء إلى طريق توحد يجمع الكل في قلب البلدة.
العيش المشترك ليس شعاراً، بل هو أسلوب حياة يومي، يبدأ من سلق قمح وينتهي بتوزيع الطعام على حب أهل بيت النبي، ويمر بكل تفاصيل الحياة. كما يقول مارون فهد، متحدثاً عن عمله البلدي بكل صدق: "فيه نقطة أساسية هي العمل البلدي بهاي الضيعة بالذات. ضيعة كتير حساسة. يعني أنا إذا جيت حضرت لـ event، اعتبريه على نويل، بخاف أقصر بمناسبات الشيعة، ما أعمل ذات المستوى". هذا "الخوف" من التقصير تجاه الآخر ليس خوفاً من انتقاد أو عتاب، بل هو شعور عميق بالمسؤولية الأخلاقية تجاه جيران، تجاه شركاء في الوطن والمصير.
ومن زيتون، ننتقل إلى المدرسة التي تعدّ أجيال المستقبل على هذا النهج من العيش المشترك، حيث تزرع في نفوس الطلاب بذور التسامح والمعرفة بالآخر منذ الصغر، وتجعل من الاختلاف مصدراً للثراء والتعلم بدلاً من أن يكون سبباً للخوف والانغلاق.
المؤسسات التعليمية في منطقة جبل لبنان ليست مجرد أماكن لتلقي العلوم، بل هي مختبرات حقيقية لبناء مجتمع متماسك. في ثانوية المعيصرة الرسمية، وتحت إدارة الأستاذ حميد حيدر، الذي أمضى 11 عاماً في هذا المنصب، تم تطبيق تجربة فريدة من نوعها: دمج التعليم الديني وتنويع الأساتذة. يشرح الأستاذ حميد: "بالعام الدراسي 2008-2009 طلعنا بفكرة دمج التعليم الديني وتنوع الأساتذة، يعني بمعنى إنه حجز معلم الدين الإسلامي يفرض على صف طلاب مسيحيين، بيعطيهم فكرة عن الدين الإسلامي، والخوري يعلم صف الدين المسيحي أو الحصة يفرض على الطلاب المسلمين".
هذه الفكرة، التي انطلقت منذ العام 2008 كما يذكر الأستاذ حميد، كانت تهدف إلى هدفين رئيسيين: "تعريف الآخر على الأديان ومحاولة تقريب الفكرة لحتى تبطل الناس تخاف من الثاني". والهدف الأعمق كان "تعويد الطالب على الطرف الآخر، حتى يبطل يخاف منه، وتفهيمه معنى الدين". لم تكن الحصص الدينية في معيصرة مجرد دروس نظرية عن عقائد الآخر، بل كانت جسراً للتعارف وفضح المفاهيم المغلوطة: "مواضيع كانت مواضيع عامة، مفهوم الله عند الدين الإسلامي والدين المسيحي، عن المساواة، المحبة، الأخوة، التعرف على الآخر".
وتتويجاً لهذه الجهود، يشير الأستاذ حميد إلى أن الطلاب أنفسهم أصبحوا جزءاً من هذه العملية التوعوية: "لدرجة إنه صاروا بعد كم مرحلة صاروا هني الطلاب يطلبوا نكفّي بهيدا الموضوع"، أي أن الطلاب أصبحوا يطلبون من الأساتذة الاستمرار في هذه الدروس التوعوية، مما يدل على نجاح الفكرة في تغيير النظرة إلى الدين والآخر، وانتقالها من حالة الخوف والجهل إلى حالة الفضول والمعرفة، ثم إلى حالة القبول والتعايش الطبيعي.
إن أهم اختبار لأي مجتمع يدذعي العيش المشترك هو كيفية تعامله مع الفئات الأكثر ضعفاً واحتياجاً، ومدى تجاوز الانتماءات الطائفية لتقديم الخدمات الإنسانية الأساسية. في مستوصف الهيئة الصحية في مدينة جبيل، وجدنا نموذجاً آخر لهذا العيش المشترك الذي يتحول إلى ممارسة إنسانية يومية. بتول الحلاني الممرضة في المستوصف تشهد على هذا الواقع الملموس "بيجوا لعنا مرضى من مختلف المناطق والطوائف، ومن بينهم مرضى مسيحيين، وبيتعالجوا عنا بشكل طبيعي متل أي مريض تاني. بالنسبة إلنا، المريض هو أولاً إنسان بحاجة للرعاية، وما منسأل عن طائفته لما يكون بحاجة للمساعدة". ليس هذا فحسب، بل تضيف: "وكمان في دكاترة مسيحيين بيشتغلوا بالمستوصف".
في هذا الفضاء الإنساني الضيق، تذوب الفروقات وتتلاشى التصنيفات، ويبقى الإنسان فقط بآلامه واحتياجاته: "المريض بيجي، الطبيب بيعالجه، ونحن كممرضين منكون حدّه، وكل واحد بيقوم بدوره بعيداً عن أي اختلاف ديني. بالنهاية، الصحة والإنسانية ما إلها طائفة، وهيدا الشي منشوفه قدامنا كل يوم بالمستوصف". بهذه البساطة المذهلة، تصبح الرعاية الصحية نموذجاً مصغراً للعيش المشترك، حيث لا مكان للأسئلة عن الانتماء، ويبقى السؤال الأهم والأكثر إنسانية: "كيف يمكننا مساعدتك؟".
وتتوسع دائرة هذه التجربة الإنسانية لتشمل مؤسسات ومبادرات أخرى، حيث تتحول المساعدات الاقتصادية والخدمات إلى أوجه جديدة لهذا العيش المشترك، وتصبح المؤسسات الاجتماعية التي تقدم خدمات مالية، منصات للثقة والتعاون تتجاوز كل الحدود الطائفية.
أما المهندسة سناء شهاب مواطنة من جبيل فتروي تجربتها مع مستوصف الهيئة الصحية، وكيف تحولت من مجرد مريضة بحاجة إلى دواء، إلى شاهدة على إنسانية تتجاوز كل التصنيفات. تقول سناء، بكل صدق وتأثر "وقت صارت أزمة الدواء، والثورة صارت، ولعب سعر الدولار، في أدوية ما كنا حتى نقدر نستحصل عليها. دلوني صاحباتي يلي هني من عمشيت على المستوصف تبع الهيئة الصحية بمنطقة جبيل. جيت تعاملت معاهم. وللحقيقة ما فيني أحكي إلا بكل ضميري. إخوات، ما في أحلى منن، إنسانيات". لا تتوقف شهادتها عند حدود تجربتها الشخصية، بل تتعداها لتروي قصة إنسانية أخرى، قصة شاب كان يعمل معها، واجه أزمة صحية مع ابنه "كان عنده ابنه، عنده كانسر(مرض السرطان) بالمصارين، ووصل لمرحلة هول الإبر ما يقدر يشتريهم. بس وقت عرفت هول الإبر موجودين هون دلّيته على المستوصف وصار هو يقدر يستحصل عليهم" كما أضافت كلمات تعبر عن المعاملة "معاملة كتير حلوة، ما فيني أحكي أكتر من هيك، بكل ضمير حي، لبنانية خلص، أكتر من هيك ما رح أقدر أقول".
في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، برزت مؤسسات ومبادرات اجتماعية شكلت شبكة أمان للمواطنين، وتجاوزت في عملها الانتماءات الطائفية إلى آفاق إنسانية أوسع. جمعية "القرض الحسن"، تلك المؤسسة التي تأسست عام 1987 كجمعية خيرية واجتماعية تقدم قروضاً دون فوائد، تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية، تجاوزت في تأثيرها البيئة الشيعية التي نشأت فيها. يصف مدير فرع الجمعية في جبيل ربيع ماجد، الظاهرة "من خلال تجربتي بالفرع، في كتير مواقف بتفرجيني إنو التعامل بين الناس ما إلو علاقة بالطائفة. مثلًا، على الأقل في شخص مسيحي بيجي تقريبًا كل يوم ليسأل إذا في إمكانية ياخد قرض، أو أحيانًا بيجي مع أصدقائه المسيحيين ليسألوا عن القروض ويستفيدوا منها. وهيدا بالنسبة إلنا أمر طبيعي، لأن المؤسسة بتتعامل مع الناس على أساس حاجتهم، مش على أساس انتمائهم الطائفي".
ولعل الأزمة الأخيرة، وحرب 2024 وما تلاها من هجمة أمنية وإجراءات مشددة، كانت الاختبار الأصعب للجمعية. يصف ربيع ماجد حجم التحدي: "خلال حرب 2024، ومع الهجمة الأمنية والإجراءات اللي رافقتها، إضافةً إلى إقفال بعض المؤسسات والضغوط المرتبطة بالقطاع المصرفي وحاكم مصرف لبنان، شهدنا مرحلة صعبة جدًا. حتى إنه 27 فرعاً كانوا تحت الردم، ومع ذلك قدرنا نرجع نفتتح ونعيد العمل في ثاني يوم من وقف اطلاق النار". ويتابع: "بهالأزمة تحديداً، ارتفع الطلب على القروض بحوالي 50 إلى 60%". هذا الارتفاع الكبير في الطلب ليس فقط بسبب الحاجة الماسة، بل يعكس أيضاً الثقة الكبيرة التي وضعها الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم، في هذه المؤسسة التي باتت تمثل لهم أكثر من مجرد جهة تقدم قروضاً، بل رمزاً للتضامن الاجتماعي في زمن الشدة.
قصة إيلي نجم، المواطن المسيحي من بحصرا، تجسد هذه الثقة بشكل درامي. يروي إيلي تفاصيل تجربته مع الجمعية: "من شي فتر، شي سنة ونص، تعرضت لضيقة مالية وسكرت الدنيا بوجهي. ما خلينا باب ما رحت دقيته، وين بدنا نيسّر أمورنا، مين بده يساعدنا، شو بدنا نعمل. عندي حدا من أصحابي، من إخواننا الشيعة بالمنطقة نحنا جبيل عيش مشترك، بيقلي في عنا القرض الحسن بدك ترهن شي، ذهب ما ذهب وبيمشي الحال". في مشهد يختصر كل معاني الثقة والتجاوز، يروي إيلي كيف تمت المعاملة بكل سلاسة واحترام: "الساعة تسعة ونص كنت في القرض الحسن، وعند الساعة العاشرة والنصف المصاري كانوا معي. ما حدا سأل شو طائفتك؟ مسيحي؟ مسلم؟ درزي؟ من وين إنت؟ كل اللي انطلب هويتي والمبلغ، كيف قادر رجعه". ويختتم إيلي شهادته بالتأكيد على الجانب الأكثر أهمية في هذه التجربة: "والأهم من هولي كلهم سوا، والله العظيم صفر فايدة". هذه الشهادة لا تعكس فقط تجربة شخصية، بل تكشف عن ظاهرة اجتماعية أوسع، حيث تتحول الحاجة الاقتصادية إلى جسر للثقة والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وتصبح مؤسسة اجتماعية ذات خلفية دينية معينة، معيناً للجميع في أوقات الضيق.
في زقاق آخر من أزقة كسروان، يلتقي المواطن علي أحمد ليروي لنا تجربته، يبدأ علي حديثه بالحديث عن البيئة المختلطة التي نشأ فيها: "بحكم منطقتنا كلها مختلطة هون، مسلمين ومسيحية، فأنا عندي رفقاتي بحكم المدرسة والشغل مسيحية، فهم بيشاركوا عنا، ونحن منشارك بمناسباتهم، أنا بروح على مناسباتهم". ويضرب مثالاً حياً بعاشوراء: "هلأ من فترة قطع محرم، أجوا كذا حدا من رفقاتي حضروا عاشوراء معنا، مثلاً أنا عندهم في حالة وفاة أو شي شغلة، بروح بحضرهم مثلاً" وأضاف "منعيدهم بأعيادهم، بيجوا بعييدونا بأعيادنا".
ويختم علي كلامه بتعبير بسيط لكنه عميق المعنى، يلخص جوهر العيش المشترك الحقيقي: "فنحن عايشين وكأنه واحد يعني". هذا الإحساس بالوحدة، رغم تعدد الانتماءات، هو ما يبحث عنه كل لبناني، وهو ما يجعل من هذه القرى الجبلية نموذجاً يحتذى به في التعايش، ليس فقط في لبنان، بل في كل المجتمعات المتنوعة التي تبحث عن صيغة للعيش معاً بسلام.
كما تشارك نور ناصيف هذه الرؤية من زاوية أخرى، حيث تركز على تجربتها الشخصية في التعامل مع الطبيب والخدمات الصحية: "أنا شخصياً عندي تجربة بتعبر عن هيدا الشي، أنا بتعالج عند طبيب مسيحي، والصراحة هو كتير منيح معي، بيتعامل معي بكل احترام واهتمام. الحكيم كتير متعاون، ما بفرّق بيني وبين المرضى، هم مسيحيين، بالعكس بيمشي على المواعيد متل ما هي من دون تأخير". وتضيف أن هذه التجربة امتدت لتشمل أوقات الأزمات، حيث تبرز أخلاقيات المهنة والإنسانية "وبفترة الحرب، فترة النزوح كان عامل فحصية شبه مجانية، يعني تقريباً شي 80% لكل حدا نازح، حتى المستوصف كانوا عاملين فحصات مجانية للمسلمين". وتختتم نور كلامها بتأكيد أن التنوع في جبل لبنان ليس عيباً بل قوة: "وبرأيي هيدا هو معنى التعايش الحقيقي، إنه نقدر نكون مختلفين بالدين أو بالمعتقد بس نضل نحترم بعض ونساعد بعض ونعيش سوا بمحبة. جبل لبنان فيه تنوع كتير، وهيدا التنوع مش لازم يكون سبب الإصطدام، بالعكس ممكن يكون مصدر قوة وغنى للمجتمع".
اً تنضم هناء يوسف إلى هذا الصوت الجمعي لتؤكد أن العيش المشترك ليس مجرد علاقات سطحية، بل هو حياة يومية تعاش في تفاصيلها الصغيرة "عشت بمنطقة مختلطة وما حسّيت يومًا إنو اختلاف الدين كان حاجز بيني وبين الناس. بالعكس، كان في دائمًا معاملة حسنة واحترام، وصرنا نعرف بعض ونشارك بعض بتفاصيل حياتنا". وتضرب مثالاً على المشاركة الحقيقية في السراء والضراء "بتذكر مثلًا إنه وقت يكون في جنّاز(مراسم الدفن في الدين المسيحي) عند الجيران المسيحيين، كنا نروح ونشارك أهل الفقيد ونوقف حدّهم، وهني كمان كانوا يوقفوا حدّنا بالمناسبات والأوقات الصعبة. هيدا الشي كان بالنسبة إليّ دليل إنو العلاقة مش بس علاقة جيران، صارت علاقة إنسانية حقيقية". وتختتم هناء كلامها بتأكيد أن هذا العيش المشترك هو أسلوب حياة يعكس واقع منطقة جبل لبنان "وأنا بالنسبة إليّ، هيدا هو معنى العيش المشترك الحقيقي إنك تشوف الآخر كإنسان قبل ما تشوف لأي طائفة بينتمي".
يروي شربل دانيال تجربته الشخصية مع
جيرانه من الطائفة الشيعية، كما عاشها منذ الطفولة وحتى اليوم. يقول شربل "أنا ولدت وتربيت بمنطقة مختلطة، يعني من أول ما وعيت
على الدنيا، كان عندي جيران شيعة ومسيحيين بنفس الحي، وما كان في أي حواجز
بيناتنا. كنا نلعب سوا بالشارع، نروح على نفس المدرسة أحياناً، ونرجع نكمل يومنا
بشكل طبيعي جداً".
ويضيف أن مفهوم "الاختلاف"
لم يكن يوماً عائقاً في حياته اليومية "ما عمرنا سألنا بعض شو طائفتك أو شو
دينك. كان المهم كيف نتعامل مع بعض، كيف نعيش مع بعض. حتى بالأعياد، كنا نشارك
بعض. وقت عاشوراء كنا نمرق نشوف المواكب، وأحياناً نساعد أو نوقف مع أصحابنا،
وبنفس الوقت هنّي كانوا يزورونا بالأعياد المسيحية".ويشير شربل إلى أن هذه العلاقة لم تقتصر على
الطفولة، بل استمرت في مرحلة الشباب والعمل "اليوم عندي رفقاتي شيعة من الشغل
والجامعة. منطلع سوا، منشتغل سوا، وإذا في مناسبة عندهم بروح، وإذا في مناسبة عندي
بيجوا. صارت العلاقة أكبر من موضوع دين، صارت علاقة ثقة وصداقة".وعن اللحظات الصعبة التي مرت على
لبنان، يقول شربل إن الأزمات غالباً ما كانت تكشف عمق هذا الترابط "بفترة
الحرب أو الأزمات الاقتصادية، ما كان حدا يسأل مين مع مين. كنا نساعد بعض بأي
طريقة نقدر عليها. إذا في حدا محتاج دواء أو دعم، الكل بيوقف حد الكل، بغض النظر
عن أي شي تاني".
ويختم شربل حديثه بنظرة شخصية إلى
مفهوم العيش المشترك "برأيي، العيش المشترك مش شعار ولا كلام إعلامي. هو حياة
يومية. هو إنك تعتبر جارك جزء من حياتك، مش غريب عنك. بجبل لبنان، نحن ما منعيش مع
بعض بس، نحن منعيش كأننا عيلة وحدة كبيرة، رغم كل اختلافاتنا".
كما تُظهر المعطيات المرتبطة باللوائح الانتخابية في محافظة جبل لبنان ملامح واضحة للبنية السكانية التي تُشكّل الإطار العام للعيش المشترك في المنطقة. إذ يبلغ عدد الناخبين في المحافظة نحو 883,768 ناخباً، من بينهم 546,143 ناخباً مسيحياً، ما يعادل قرابة 62% من مجموع الناخبين، مقابل نحو 79,903 ناخبين شيعة، أي ما نسبته حوالي 9%. هذا التوزيع لا يُقرأ كأرقام جامدة فقط، بل كخريطة اجتماعية تعكس شكل التداخل السكاني داخل القضاء الواحد، حيث يتمركز الوجود الشيعي بشكل أساسي في قضاء بعبدا مع نحو 44,524 ناخباً، إلى جانب امتداد أقل عدداً في جبيل بحوالي 20,435 ناخباً، وأقليات أصغر في الشوف وعاليه تقدر بنحو 9,231 ناخباً. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تعكس وحدها حجم الحضور الفعلي على الأرض، إذ تشير المعطيات المحلية إلى وجود ما يقارب 500 ألف مقيم في قضاء بعبدا فقط، ما يعكس كثافة سكانية وتداخل اجتماعي يتجاوز البعد الانتخابي الضيق، ليؤكد أن جبل لبنان ليس مجرد تقسيمات طائفية أو انتخابية، بل فضاء معيش مشترك تتقاطع فيه الطوائف داخل الجغرافيا نفسها وتعيد إنتاج علاقتها اليومية خارج منطق الأرقام.
في هذا الجبل العتيق، حيث تتعانق ضبابية الشتاء مع نسيم الصيف،
وتتجاور أصوات الأذان مع أصداء الصلوات، وحيث تقف كنيسة زيتون إلى جانب مسجدها في
مشهدٍ واحد يختصر الكثير، لا يبدو العيش المشترك شعارًا يُرفع، بل واقعًا يُعاش.
هكذا، يظهر جبل لبنان كمساحة تتجاوز الانقسام إلى نموذجٍ يومي للتعايش، لا يقوم على المثالية بل على الاستمرارية. فالتنوع هنا ليس حالة طارئة، بل جزء من بنية الحياة نفسها، يتعايش فيها المختلفون ضمن معادلة واحدة عنوانها البسيط: أن الإنسان يسبق الهوية. هذه الحقيقة البسيطة، التي يعيشها أهل جبل لبنان كل يوم، هي ما يجعل من هذه المنطقة نموذجاً فريداً في عالم يزداد استقطاباً وتطرفاً.
وفي نهاية هذا المشهد الممتد، لا يبقى السؤال عن إمكانية العيش المشترك، بل عن سرّ استمراره رغم كل ما يحيط به من أزمات. وربما تكون الإجابة في هذه التفاصيل نفسها: في حياة يومية تُبنى بصمت، لكنها تقول الكثير. إنه سر بسيط وعميق في آن واحد: الإنسانية قبل الانتماء، والمشاركة قبل الخلاف، والمحبة قبل كل شيء.
ربما لا يُختصر العيش المشترك في جبل لبنان بشعار، بل بسؤال أبسط وأكثر عمقًا: كيف يمكن لأناس مختلفين أن يواصلوا الحياة معًا، رغم كل شيء؟ والإجابة، كما تظهرها هذه القصص، ليست في النظر إلى الاختلاف... بل في الاستمرار في الحياة معه، بإنسانية كاملة.
ولعلّ السؤال الأهم الذي يطرحه هذا الواقع على كل لبناني، وعلى كل إنسان في هذا العالم، هو: إذا كان أبناء جبل لبنان يستطيعون العيش معاً بهذه المحبة والتضامن رغم كل اختلافاتهم، فما الذي يمنع بقية العالم من فعل المثل؟
جبل لبنان، بكنائسه ومساجده، وبمسيحييه وشيعته، يكتب كل يوم وبأبسط تفاصيل الحياة قصة أمل للإنسانية جمعاء. قصة تبشر بأنه رغم كل الحروب والأزمات، يمكن للإنسان أن ينتصر على الطائفية، وأن يبني جسوراً من المحبة والتفاهم، وأن يصنع من تنوعه فسيفساء تزينها الحياة ولا تكسرها الحروب. في هذا المشهد الإنساني النادر، يتجلى السر الخفي لبقاء لبنان رغم كل التحديات، وهو سر بسيط وعميق في آن واحد: الإنسانية قبل الانتماء، والمشاركة قبل الخلاف، والمحبة قبل كل شيء.